أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 25 سبتمبر 2013

لا أحد يبقى 1



لا أحد يبقى جميعهم يرحلون .
كانت تلك كلماته الأخيرة قبل أن يودعنى إلى مثواه الأخير ويتركنى فى  لم أبلغ من العمر إلا التاسعة من عمرى فقط ،حقيقة الأمر تسبب بكائى فى دمار شامل لشخصيتى وكيانى وذاتى ونفسى ،رحل عنى ولم أراه وإنما ترك لى تلك الكلمات على ورقة قبل أن يغادرنى ويودعنى للأبد ، أتذكر شكله وملامح وجهه المعروق المستدير وقامته الفارعة ومنكبيه العريضين وصدره الذى يتصدى للريح إذ تعوى ، حقيقة كان مهابٍ فى عباءته ،مرت الاعوام جميعها لم أشعر بمذاق للسعادة يوماً بعد رحيله عنى حتى بعد وفاته كان لابد على أن أكون رجلاً أقف بجانب أمى بعد كل تلك القضايا التى رفعها عمى وجدى على والدتى بعد وفاة أبى مباشرة .

قضية وصايا لى ولأختى وقضية الورث وإعلام الوراثة وهلم جره ولا أتذكر أكثر من ذلك فكلما تذكرت أصابنى الامر بمرارة لم أذق فى كراهيتها مرارة من قبل لقد كانت الحياة بالنسبة لى لعب ومرح ومذاكرة ودراسة ولا شئ أخر حتى أنى كنت طفل مريع عنيف وكأن شياطين الإنس والجن أجتمعوا عليه وجعلوا منه هذا الطفل الاحمق مريب الأفعال قليل الكلام يفعل ما يريد ولا يثنيه أحد ولو أجتمع كل أهل الارض أن يثنوه عن ذلك القرار ما أستطاعوا .
أتذكر جيداً تلك القصص والروايات التى كان أبى يقصها على يومياً قبل أن يغادرنى ولكنى كنت فى قرارة نفسى أشعر أنه يكرهنى جداً جراء كل تلك العٌلق الساخنة التى كنت مع موعدً معها يومياً بعد عودة من عمله كنت أشعر بذلك وكان دائم القول أنه يريدنى رجلاً ولا أكثر من ذلك فهو يعاملنى تلك المعاملة لأكون رجلاً فى نظره ولا أكثر .
حتى بعد وفاته كان حنانى وسعادتى يقبع بداخل هذا الصدر المليئ بالحنان والحب والسعادة قلب أمى التى أعتصرتها مرارة الايام حتى جعلت منها أمرأة أصلد من الألماظ (أقوى وأصلب المعادن المعروفة إلى آلان) كانت تدافع عنى يومياً أثناء تلك العلق الساخنة حتى أنى فى يوم من الأيام تسببت لها فى كسر مضاعف لساعدها أجرت بسببه عملية جراحية مستعصية ليعيد عظام ساعدها كما كانت ولم تعد أبداً .
كنت أرتشف منها الحنان والحب والمودة يومياً إلى اليوم الذى مات فيه أبى تلك الصاعقة التى أصابت كل شخص وقع على مسامعه الخبر وكأنها مطرقة تقع على رأسه من الدور الحادى عشر فتريده قتيلاً فى الحال .
أتذكر هذا اليوم جيداً وكأنى أعيشه منذ لحظات حينما كنت فى النادى أمارس كرة القدم وفى ذلك اليوم كان عندى مباراة حاسمة ولكنها وبفعل غير فاعل تم إلغائها والله أعلم إلى آلان عن سبب ذلك ،عدت إلى بيتى مسرعاً لأجد كل إنسان يقبع فى هذا الشارع الذى أسكن فيه يقف أمام بيتى وأنا صريع الحيرة والتفكير فيما حدث ولماذا كل تلك البشر تقف أمام بيتى ولماذا هذا الصراخ وكأن الناس جميعها تتفكر فى أمواتها آلان وتستعيد تلك اللحظات العجيبة التى يتخلى كل شخص فيها عن رداء الكرهه والضغينة والقسوة ويتلبسه رداء العفة والتدين والطيبة والرحمة ، مررت عليهم أسألهم ماذا حدث وجميعهم ينظرون إلى دون التفوه بكلمة واحدة ويذدادون بكاءً على بكائهم ونحيبهم ، شعرت أنى أطالع يوم القيامة وقد بدأ حساب البشر وجميعهم يبكون حالى وكانى كان مصيرى دخول سقر من أوسع ابوابها ، تذكرت فجأة أن جدى كان يعانى من جلطة فى المخ وإنحشار للبول ،فتأكد ظنى أنه من مات ولا أكثر من ذلك حقيقة الامر لم أكن أكن له أى حب او حتى كرهه وإنما كل ما أتذكر انه كان جدى وفقط .
صعدت أولى درجات سُلم بيتنا والجميع يصرخ ويبكى حينما ينظر إلى ويربض علٌى . وكل ظنى أن جدى قد وفته المنية ولكنى أتفاجئ به فى الطابق الثانى يهبط درجات السُلم منتحباً باكياً ونظر إلى وقبلنى وتركنى وذهب كما الاخرين .قلت فى قرارة نفسى أن عمى هو من وفنه المنية ولكن لماذا قبلنى جدى وأنا لست المكلوم .
صعدت طابق بيتنا الثالث لأجد جارتنا تنتحب هى الاخرى وتضمنى لها رغماً عنى فقد كانت شابة حديثة الزواج جميلة الطلعة لها مواصفات جسد مثالية . ضمنتى بقوة وكأنى ولدها وأدخلتنى بيتها وأحضرت لى كوب من المانجو حديثة العصر والتى كنت أعشقها وقالت لى بنبرة صوت تنطوى على حزن مكتوم ودهشة مفزعة .
أنت تعلم أن الله هو خالق كل شئ ومالك كل شئ
قلت : نعم
قالت : والدك آلان عاد إلى خالقة إلى ربه
حقيقة لم أفهم او لم أصدق تلك الكلمات بداية الامر وكأنى مصاب بشلل فى عقلى وكيانى شعرت بحنق شديد فى صدرى وحلقى شعرت بحزن عميق وبدأت نظرتى مرتاعة وقلبى يخفق بقوة لم أتمالك أعصابى وسقط كوب المانجو على الأرض ليصدر زمجرة شديدة نتاج تهشمه بكامله وهو يبكى عصيره على أرض الحجرة .
شعرت أن الدنيا بدأت تفارقنى وأنى وحيد ليس هناك شخص يقف بجانبى وليس هناك من يسعفنى وأن الموت حق وأن الدنيا زائلة وأنا لا أدرى وأن أبى قد رحل وتركنى تركنى صغيراً باكياً مكلوماً مُصاب بحنق فى حلقى وفى صدرى لا يستطيع قلبى منه الإنقباض او الإنبساط ،شعرت أن الدنيا بدأت تعطينى ظهرها وهى تلوح لى فاغرة فمها يتراقص لسانها بين أسنانها . هل هذا حقيقى مات أبى مات الرجل مات قوتى وهيبتى مات كبريائى مات أمانى .
لماذا يا ربى ؟ لماذا آلان وليس بعد ذلك بسنوات .
من أين سوف نعيش ومن أين سوف نأكل ونشرب ونكتسى ونتعلم لماذا آلان ياربى ؟
ولكن أين أمى ؟ أين هى آلان وكيف حالها ؟
خرجت مسرعاً إلى شقتنا لعلى ألقى نظرة الوداع على أبى أودعه أبكيه أحاول محاولة بائسة أن أرجعه للحياة ولو بقبله بسيطه على جبينه او وجنتيه ، ولكنى صعدت لأجد أمى مصابة بشلل كامل مؤقت جراء الصدمة التى لم يتحملها جهازها العصبى باكية شاكية إلى الله ضعف قوتها وحولها وضعفها . وما أن رأتنى حتى أحتضنتى وقبلتى مراراً وتعجز الكلمات حتى الخروج من حيز حلقى إلى شفاهى وأعطتنى قصاصة ورق صغيرة وقالت لى : هى أخر كلمات لك من والدك .
فتحت الورقة وبدأت فى مساومة عينى ليعود لها النظر بضع لحظات أقرأ تلك الكلمات وهى مغرورقة بدموعى وبدأت الكلمات فى الظهور أمام عينى وقد كانت بسيطة بخط والدى ، أتخيله أمامى بصوته الاجش وهو يقول لى :
ياولدى قف بجانب والدتك فلقد أختارنى الله ولا تحزن على ولا تبكينى وكنت رجلٌ مع أمك وساعدها . عمرى فات وأنا أحاول أن أجعلك أفضل منى مقامً وقامة فلا تهمل دروسمك وجد وابذل جهدك لتكون أرقى البشر .
وتذكر ياولدى
لا أحد يبقى جميعهم يرحلون .

                                                                                         يتبع

هناك تعليق واحد:

  1. ربنا يرحمه وتحقق امنيته لك وتكون ارقى البشر

    ردحذف