والنهاية معلومة فلن يقتل الليث الفيل إلا بعد عناء وقد يكون صريعا
للفيل فى تلك المعركة الأذلية البقاء للأقوى والرحيل للأضعف والوهن والعناء على الآباء
والعلماء والآدباء ولا شئ سوى الرحيل فى النهاية ولا توجد نهاية اخرى تستحق الذكر
او تقارن بالموت او الرحيل الروحى والنفسى والإنسانى ولو ترابطت الصلات والعادات
والجينات والتقاليد والأفكار فيوم ما سأرحل عن كل شئ دون عناء دون ألم دون رثاء
ولكن ستبقى ذكرى مخلدة تلك التى سيتناقلونها من بعدى سواء كانت أمراً خيراً او
شريراً حسبما يرى الناس سواء رحلت نفسى إلى العالم الأخر او رحلت الى عالم جديد وأشخاص
جدد أتعرف عليهم لأرحل فى النهاية او هم يرحلون وهذه هى الدنيا والكل يرحل ولا أحد
يبقى مهما طال عمره وطالت عشرته معك
.
ولنبدأ القصة من بدايتها :
كنت جالسا حين يوم أرتشف بضع رشفات من قهوتى الصباحية ومُشعل لفافة تبغ أمتص نيكوتينها على جرعات تناوباً مع رشفات القهوة وأطلع على العالم من خلال تلك الآله الزجاجية التى تسمى التلفاز حينما رأيت بعض الأخبار التى تعكر على كلب ذكر فى موسم التزاوج صفو مزاجه وتطفئ جحيم ونار شهوته المتقدة وانا أطالع تلك الكوارث البيئية الطبيعية زلازل وبراكين وعواصف هنا وهناك والجميع يبكى وينتحب ليس بسبب الكارثة ولكن بسبب الرحيل يبكى ويصرخ ويتمنى ان يعود الزمن بضع لحظات للوراء حتى ينقذ من تركه ورحل يبكى على ماضى ويتذكر حاضرة ومستقبله الغامض بدون هذا الشخص يفكر بأعماقه ماذا سيفعل بعد الرحيل يبكى العشرة والأهل ولا ينفك عن هذيانه الذى قد يصيبه بسكته قلبيه يوما ما وآرى من خلال تلك المشاهد البائسة الرجال والنساء ينتحبون ولكن لنحيب الرجال نكهه خاصة فهو لا يحتمل الصدمات مثل المرآة فقد يصاب ويموت ولكن المرآة يموت زوجها وأباها وإبنها وحفيدها وتواصل العيش لسنين مديدة لأنها دائماً أقوى على التحمل والصبر والجلد فالرجل تنفجر أعماقه من الحزن والرحيل والمرأة غير ذلك ولم تكن ذلك فى يوم من الأيام فلو وجدت رجل يضع طفلاً يوماً ما فسيموت بعد عملية الوضع او أثناءها لأنه وببساطة غير مهيئ لتحمل ذلك النوع من الألم ولكن المرآة كانت دائماً الأقوى والأفضل فى التحمل والمعاناه. .
أغلقت التلفاز مرغماً بسبب ما تطالعه عينى من تلك المشاهد المأساوية وبدأت فى تصفح بعض الجرائد والمجلات وجميعها تتفق على ان الرحيل مبدأ وسنة من سنن الحياة ،غرق عبارة ، وموت الالاف ، قطار يدهس باص أطفال فينثر أشلائهم هنا وهناك ، وعمليات إجهاض مستمرة بسبب الرصاص المترسب فى الهواء وتستنشقة الحامل مع الهواء فيؤدى الى تسمم الجنين وموته او يؤثر على خلايا عقلها وعظامها فيولد الطفل بولادة متعسرة والفصل من الرواية واحداً لا يتغير الكل يرحل ويترك خلفه من يبكى ويصرخ وينتحب ولا عزاء لأحد من أخر فسيصيبه ما أصاب قرينه يوماً ما والأيام تمر وتجرى كأنها لحظات ولا أكثر. .
أنتابتنى حالة من الهذيان والتفكير المشوش وأنا أفكر بكل تلك اللحظات ويستدعيها عقلى رغما عنى دون إستئذان .
أنتهيت من قهوتى ولفافتى التبغ وبدأت فى المضى فى يومى أفكر ماذا أفعل فمازلت طالباً بكلية العلوم وأنا فى أجازة مدمناً على الخمر والقمار والحشيش وقل اى شئ يذهب العقل أنا مدمناً عليه والسبب يعود لسنين ولا أريد تذكرة ، كل يوم فى مكان أتنفس فيه الحشيش وأتجرع كاسات الخمر وكأنى خزان ماء لا يمتلئ وأجلس بالساعات أمارس رياضتى المفضلة وهى لف السجائر الملغمة بالمخدرات وأنا ألعب القمار عند أصدقائى وأعود بيتى كل يوم كحمار يحفظ الطريق الى بيته ولا يعى عقله اى شئ إلا بضع لحظات يذهب فيها إلى عالم اخر ويعود لحظات آخرى وقد لا يعود أدخل بيتى الذى أعيش فيه منفرداً لأمزق عنى عبودية الملابس وأكون حراً عارياً لأدخل إلى الحمام وأغوص فى الباينو لساعات أصحو بعدها لأجد الساعة تتجاوز الثانية ظهراً وأنا أعتقد أن البانيو هو فراشى فلا حاجة لى بالفراش القابع بغرفة نومى يتلهف يوم لأنام عليه أصحو من نومى عادةً على فنجان من القهوة البرازيلى ولفافة تبغ فى محاولات كثيرة لعمل صفقات مع عقلى على أن يستفيق لأكمل يومى الروتينى الذى لا يتغير تلفاز، قراءة ، كتابة ،قهوة وتبغ وحشيش وقمار وخمور .
أتذكر كل يوم تلك الفاتنة التى تسكن أمامنا فهى تعلم ان أعيش بمفردى ولا أحد معى ولذلك تأتينى كل يوم فى محاولة لإعادة إعمار شقتى من خرابها المطلق حقيقة الأمر يتعدى المساعدة فأنا أعشقها وأعشق كل خلية بجسدها وأعشق كل شئ فيها او يدل عليها أتذكر أول يوم بعد وفاة والدتي وقد كنت حينها إبن ال16 عاماً وليس لى فى الدنيا أحد الآن ولا آرى داعى للنحيب والبكاء على والدتى فقد ماتت وأصبحت ماضى فلماذا أبكى على الماضى ولى حاضر أتعايش معه ومستقبل أفكر فيه وأشعر كثيراً................

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق