أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 21 أكتوبر 2013

سر الكبسولة السوداء

يقولون أنى بين الحياة والموت وأنى فى غيبوبة منذ يومين نتيجة إنهيار عصبى ، وأزمة قلبية ،وهبوط حاد بالدورة الدموية ، ولكنى أشعر بكل من حولى بتلك الممرضة التى تمارس الخطيئة بجانبى وكأنى كهف تتوارى فيه عن عيون طامعيها ، وأرى هذا الطبيب يبدو من هيئته الوقار والإحترام ، وأرى تلك الممرضة التى تصطحب أطفالها ليشاهدوا مآسى البشر ،وأرى من يقبع بجانبى على فراش الموت ينتظر متلهفاً موعد الرحيل ، لا أشعر بأى خلية بجسدى، بل أشاهد نفسى من أعلى فقط ، ولا أقوى على الحراك ، ولا أعلم ماسبب كل ما أصابنى ، مدمناً للكحول والمخدرات وكل شئ خاطئ ، ولكنى أحمل بين ضلوعى قلباً مازال ينبض بالحنان ،بالألم ، تعتصره مرارة الفراق ولا احد ليسمع شكوتى ويعتصره الألم مثلى ، ويشعر بالحنين ليوم ما .
 أين أصحاب القصور الفارهة والسيارات الثمينة واللقاءات الحاسمة؟ أين أمى وأين أبى؟ أين أنا وحبيباتى الاتى تركتهن دون كلمة وداع ؟
تمزق كبريائى وأعتصر الحزن كيانى ، شاباً راقداً بين الحياة والموت ،أشعث الشعر طويل اللحية ،رائحتة رثة ،يمتلك تقرحات فراش بجميع أنحاء جسده يفارق الدنيا رويداً رويداً ، ينزف قلبه قبل عينيه على فراق كل شئ ورحيل كل شئ .
لماذا جميعهم ولماذا تتردد تلك الكلمة على ألسنتهم لا أحد يبقى جميعهم يرحلون ؟
هناك شئ وحيد لا يمكنا التخلى عنه مدى حياتنا وأن طال عمرنا هو الحب ، هو القدر الذى يأتى دون موعد يدخل اى مكان فى اى وقت لأسباب عديدة ولا يرحل قبل تحقيقها والفراغ منها ، لا أشعر أنى أستعيد عافيتى وصحتى فقد دمر الرحيل كل ماتبقى لى من صحة وأباد الإدمان والكحول النصف الأخر ، أصبحت شخصاً غير متزن بالمرة لا يضحك ، لا يبكى ، لا يتأثر ، لا يشعر ، ليس له أى كيان او عقل .
أدمنت الكحول أكثر فاكثر وأصبح لى  كالماء الذى يُبقى خلاياى حية ، ولكن الكحول حل محل الماء ، دائماً أشرب فى اى وقت وفى كل زمان ، والعب القمار كثيراً ويومياً ولمدة 7ساعات او أكثر يومياً، أبدد ثروة أبى و أمى الذين تركوها لأبن وحيد ضال تكبدت الدنيا والقدر عناء قتله إكلينيكيا .
 جائنى صديق ذات يوم لم يكن عزيزاً وإنما يسمى على كل حال صديقاً جائنى البيت ليدخل على مقلب قمامة ، زجاجات الكحول فى كل مكان وملابسى هنا وهناك ورائحة عفن وكأنها خارجة من جثة حديثة الموت والتحلل ، بيئة مليئة بالضباب وكأن الديدان بدأت تزحف على جدران البيت وكأنى من آكلى لحوم البشر النتنة ، وبعدما أفرغ ما فى جوفه مقهوراً جلس معى لنتحدث بعض الشئ بعد أن أفرغت علبة سجائر كاملة فى ساعه واحدة وبدأت فى إلتهام الثانية وقال بلهجة سريعة:  
اما كفاك حزناً ألن تعود للحياة ، أنت صاحب الأمل والتفاؤل أنت من علمتنا أن نبكى قليلاً ونفرح كثيراً أنت من علمتنا الا نبكى على الماضى لأنه حدث بالفعل ولن يعود ولن يرجع مرة أخرى وإنما هناك حاضر نحياه ومستقبل نفكر فيه.
لا أستطيع لا أستطيع يامراد(صديقى) بعد وفاة منى وأبنى ضاع كل شئ أصبح  بلا ثمن ، بلا حياة ، كل شئ مات ، كل شئ أصبح هباء تزروه الرياح ، كالعهن المنفوش منذ تخرجى من الكلية ورحيل أبى وأمى وفريدة ومنى وأصدقائى لم يتبقى منى شئ وكأن كل منهم أخذ معه قطعه منى أثناء رحيله أمى وأبى رحلا للأبد وفريدة لا أعلم عنها شئ ومنى رحلت هى وولدى وأصدقائى كل شئ لم يعد له طعم او لون .
لا حجراً للفلاسفة ولا ملكاً لسليمان ولا قوة لعاد وثمود ولا أحد يستطيع ان يرجع لى جزء واحد مما فقـدت أتمنى أن تعود أمى لأرتمى فى حضنها وأبكى بكاء دون نهاية حتى يذهب نور عينى وتظل ظلماء او يعيد لى فريدة حبى الأول والوحيد او يعيد لى منى وولدى او يعيد لى اصدقاء الدراسة او أصدقاء الماضى لا احد يامراد.
قال بنبرة مرتعشة انا أستطيع !!!
وكيف ذلك كيف تستطيع أستحلفك بالله بكل عزيز وغالى بكل شئ تتمناه بكل ثروتى بنفسى أإن تدلنى على هذا الشئ.
علاجك عندى فقد جائنى من يومين عقار ومخدر يجعلك تحيى ماضيك وحاضرك.
 ولأنى خريج علوم ودارساً للكيمياء قلت انه ينصب على وأدخل يده فى جيبه ليخرج زجاجة بيضاء اللون تحوى داخلها كبسولات جيلاتينة اللون رسم عليها حرف Mفى منتصفها أخضر اللون والكبسولة سوداء اللون شكلها يغرينى حقاً ، وقال أنى سأرى من رحل عنى وماذا لدّى لأبكى عليه لو كانت سُم يقتل فدمى هو خلاصة سموم وأعتقد لو لدغتنى كوبرا ضخمة لماتت مسمومة من تذوقها دمى .

ولعلها تأتى بمفعولها،  نصحنى أن أدخن لفافة تبغ وفنجان من القهوة حتى تعمل بكامل طاقتها وكأنها مصنع وهم وقوده .
ودعنى وذهب وجلست وحيداً انظر إلى حرف الM  وأفكر فى دلالته ولا شئ عن الماضى والحاضر والمستقبل يبدأ بهذا الحرف على ماذا يدل؟ قد أفهم دلالته بعد التجربة ، وكانت أمامى لفافة التبغ وفنجان القهوة وأبتلعت الكبسولة وشعرت بها بطريقها إلى معدتى وكأنها ليث يشق طريقة وسط غابات مليئة بالأشجار ،حتى أستقرت فى معدتى وأشعلت لفافة التبغ وأرتشفت قطرات من قهوتى لعلها ترينى من سرداب حزنى بعض الذى قد يعيد لى الأمل والحياة يوماً ، بعدما هجرونى جميعهم.
 وتخطى حاجز الوقت النصف ساعة وأنا أنتظر اى شئ يحدث وأشعل لفافة تبغ وراء الأخرى وأشرب القهوة ولا شئ ، هل يسخر منى مراد؟ هل يضحك على الآن؟ لم يعطينى سم او مخدر ولكنه لم يعطينى شئ .
تركت ما فى ذهنى والقته خلفى وقررت فجأة ان أكتب اى شئ وكل شئ لعلى استفيق مما أنا فيه وأحضرت الأوراق والأقلام وبدأت بالكتابة ولكن عن اى شئ سوف أكتب عن حياتى أم عن قصص الرحيل التى لا تنتهى أم عن جامعتى أم عن الأمل الغير موجود وعن السعادة التى أرتوت دماء الرحيل مرغمة .
لابد ان أكتب حتى لا أنفجر مما أنا فيه ، لأكتب شئ يستحق الذكر من بعدى يستحق ان يسجله التاريخ ، لأكتب رواية تحصد جائزة نوبل يوماً ما .
ولكنى لا أعرف عن اللغة العربية اكثر مما يعرف الطبيب عن الطبيخ ، ولكن لأحاول ان أُخرج ما فى سردابى وما فى عقلى لأكتب الرواية تلك ليكون عنوانها تلك الكلمة لا أحد يبقي جميعهم يرحلون.
 وحقاً لم أشعر بنفسى الا وأنا أنتهى من الرواية 400 صفحة كاملة كلفتنى 5علب سجائر ونصف كيلو بن برازيلى محوج فى جلسة واحدة فقط تفتحت أمامى كل الأبواب المغلقة وأبواب الزاكرة وأتذكر كل شئ بالتفصيل ، منذ نظرت إلى الدنيا وبدأت ملامحها فى الظهور رويداً رويداً وكأنى ساحر او مهاتما هندى قضى عمره فى التأمل. أعود لأُراجع ما كتبت لا يوجد كلمة واحدة تنبأ بأن هذا الذى يكتب لا يفقه شئ باللغة العربية وإنما قد يكون حاصل على دكتوراه فى اللغة العربية والبلاغة فهناك كلمات كتبتها لا أعلم معناها وأنا بكامل وعيى .
تذكرت أنى أمتلك معجماً من أيام المرحلة الثانوية بحثت عنه حتى وجدته وبحثت فيه كثيراً عن تلك الكلمات التى كتبتها ولم أفهمها غشمشم , متوم .المقل ,عقيقل, وجميعها لها معانى فى اللغة الفصحى .
ولكن من أين أتت على ذهنى ليكتبها ومن أين قرأها وعلم معناها ليضعها فى مكانها الصحيح من سياق النص ؟ ثم اقرأ الرواية لأجدها محكمة التفاصيل وتسرد منذ ولدت حتى التحاقى بكلية العلوم حتى موت منى .
من أين أتت كل تلك التفاصيل ؟ ثم ما كل تلك السرعة الى كتبت بها 400 صفحة فى جلسة واحدة لم تتخطى الست ساعات ؟ هل هو تأثير تلك الكبسولة هل هذا تأثيرها على جسدى وعلى عقلى؟ تتفتح أبواب كل شئ ببداية مفعولها وكيف لى ان أعى ذلك و وآن لى أن أعرف.
 فالحشيش كمثال يفتح أمامك أبواب الإبداع على مصراعيها وهذه من فوائدة الطبية كما أعلم وكما درست ، والخمرة أيضاً تفتح لك أبواب الإبداع من عقلك ومن داخلك. الحشيش يرغمك على الإبتسام فلن تستطيع جلب إيماءات الحزن إلى وجهك لو شربت حشيش كما أنه أيضاً يفتح أمامك أبواب الخيال على مصراعيها ولكنك تستفيق لتجد نفسك فاقداً للذاكرة أن لم تسجل ما جاء على ذهنك حينها ، وكذلك الخمر فأنا أتجرع منهما الكثير يومياً.
 وأصبحت تلك التأثيرات لا تأتينى الاعندما اذيد الجرعه فقط ولا شئ اخر هل تجعل تلك الكبسولة تأثيرهما أكبر؟ او أنه تأثيرها الخاص ؟وأنا لا أعى كيف ومتى وكيفية كتابة كل تلك الرواية ، الأمر أصعب مما أتصور وقد أجهدنى الأمر كثيراً حتى ذهبت فى نوم عميق لا أدرى كنهه .
وأرانى أقف فى غابة وارفة الأشجار وجميعها طارحة ثمارها، لها عبق جميل وأرى أمامى مراد يضحك ويشير إلى شئ ما وهو يقول لى أنا على حق فجميعهم أمامك الآن الا تراهم أنظر هنا وهنا.
 لأجد كل من أشتاقت عيناى للقياه أمى وأبى وأصدقائى وفريدة ومنى وأبنى تحمله بين زراعيها ، أقتربت منهم قليلاً وبَدَى لى أنهم يتبسمون ، أرتميت فى أحضان أمى أبكى وأنتحب وأصرخ ، حضن حقيقى مثلما كنت أشتاق أشعر بحرارة جسدها ولحمها ودمها وهى تبكى وتعتصرنى بين زراعيها بقوة الحنين والإشتياق ، بالحنان ،والحب ،بالمودة،  بالحزن على فراقى ، وها هى فريدة تقبلنى بين شفتاى وتحتضننى ، ومنى تبتسم لى وتعطينى ولدى طفل لم يبلغ العام من العمر جميل الشكل ودقيق الملامح وذهبى الشعر يحمل من ملامحى الكثير ، ومنى تقبلنى وتبكى وأحتضنها ،ووالدى وأصدقائى وكل من رحل وفارقنى وفارقت بسمته محياى وفارقت نفسه نفسى ، وروحه روحى ،ومراد مازال يضحك ويخبرنى أن هناك المذيد ، أنظر لهم فإذا هم جميعاً يتلاشون كالبرق يأتى ويذهب سريعاً .
أستفيق من غيبوبتى لأرانى مغرورقة عيناى بالدموع ومازالت رائحة أمى فى ملابسى، عبيرها الخلاب يملئ ملابسى ، وقبلة منى وفريدة أستطيع تذوق كل منهما بين شفاهى،  ومازال أثر لمس ولدى على جلدى تستشعره خلاياى العصبية الحسية ، أنظر إلى الساعة فأجدها الثانية بعد الظهر منطوياً على نفسى فى الفراش أبكى وأبكى ولا شئ غير البكاء ، أتذكر أنى لم أبكى منذ سنوات وكأنى أدخر دموعى ليوم مثل هذا اليوم .
ولكن آن الوقت لأستفيق من كل ما أصابنى لأعود للحياة أسرد أحداثاً وأعلم الناس أداباً عن الرحيل وشجنه وبكاءه، لأترك بصمة فى هذا العالم تستحق يوماً الذكر إذا أراد الناس يوماً ذكرى او الخوض فى حديثاً يأتى فيه أسمى ، ليتحدثوا عن صبري وجلدى وليسير الجميع على دربى .
لأكون أداة لإعادة الأمل التائه وسبيل لإسترجاع ذكريات ماتت ودرباً لسعادة مبينه لأكون مثلاً يحتزى به ولا مثلاً ينفر منه ولا يقتضى به الإ المراهقون الخاسرين لأكون لهم سماء وشمس ،علم وفكراً ، فليسوفاً ومعلماً وطبيباً ، لأكتب ولن يقف بطريقى أحد ولن تستطيع العقبات مهما بلغت أن تنال منى يوماً لأنى أرضاً وسماء ،ماءً وهواء،  عالماً بناء ، سأكون قبراً للمشكلات والعوائق الصعاب ، سأكون أنا ولا شئ اخر.

هناك تعليق واحد:

  1. جاحدة يا مان :: :) بالتوفيق وفى انتظار المزيد :)

    ردحذف